الآلوسي

58

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما » ورواه ابن حبان في صحيحه بزيادة « قال الرجل : ما أكثر هذا يا رسول اللّه وأطيبه قال : فاعمل به » . و أخرج البيهقي عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه اللّه تعالى بارا ، وأخرج عن الأوزاعي قال : بلغني أن من عق والديه في حياتهما ثم قضى دينا إن كان عليهما واستغفر لهما ولم يستسب لهما كتب بارا ومن بر والديه في حياتهما ثم لم يقض دينا إن كان عليهما ولم يستغفر لهما واستسب لهما كتب عاقا » و أخرج هو أيضا وابن أبي الدنيا عن محمد بن النعمان يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برا » . و روى مسلم أن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما لقيه رجل بطريق مكة فسلم عليه ابن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه فقال ابن دينار فقلت له : أصلحك اللّه تعالى إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير فقال : إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه » . و أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي بردة رضي اللّه تعالى عنه قال : قدمت المدينة فأتاني عبد اللّه بن عمر فقال : أتدري لم أتيتك ؟ قال : قلت لا قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده » وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذلك . وقد ورد في فضل البر ما لا يحصى كثرة من الأحاديث ، وصح عد العقوق من أكبر الكبائر وكونه منها هو ما اتفقوا عليه وظاهر كلام الأكثرين بل صريحه أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الوالدان كافرين وإن يكونا مسلمين ، والتقييد بالمسلمين في الحديث الحسن أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الكبائر فقال : تسع أعظمهن الإشراك وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين المسلمين ، إما لأن عقوقهما أقبح والكلام هناك في ذكر الأعظم على أحد التقديرين في عطف وقتل المؤمن وما بعده وإما لأنهما ذكرا للغالب كما في نظائر أخر . وللحليمي هاهنا تفصيل مبني على رأي له ضعيف وهو أن العقوق كبيرة فإن كان معه نحو سب ففاحشة وإن كان عقوقه هو استثقاله لأمرهما ونهيهما والعبوس في وجوههما والتبرم بهما مع بذل الطاعة ولزوم الصمت فصغيرة فإن كان ما يأتيه من ذلك يلجئهما إلى أن ينقبضا فيتركا أمره ونهيه ويلحقهما من ذلك ضرر فكبيرة . وبينهم في حد العقوق خلاف ففي فتاوى البلقيني مسألة قد ابتلي الناس بها واحتيج إلى بسط الكلام عليها وإلى تفاريعها ليحصل المقصود في ضمن ذلك وهي السؤال عن ضابط الحد الذي يعرف به عقوق الوالدين إذ الإحالة على العرف من غير مثال لا يحصل المقصود إذ الناس تحملهم أغراضهم على أن يجعلوا ما ليس بعرف عرفا فلا بد من مثال ينسج على منواله وهو أنه مثلا لو كان له على أبيه حق شرعي فاختار أن يرفعه إلى الحاكم ليأخذ حقه منه ولو حبسه فهل يكون ذلك عقوقا أولا ؟ أجاب هذا الموضع قال فيه بعض الأكابر : إنه يعسر ضبطه وقد فتح اللّه تعالى بضابط أرجو من فضل الفتاح العليم أن يكون حسنا فأقول : العقوق لأحد الوالدين هو أن يؤذيه بما لو فعله مع غيره كان محرما من جملة الصغائر فينتقل بالنسبة إليه إلى الكبائر أو أن يخالف أمره أو نهيه فيما يدخل منه الخوف على الولد من فوت نفسه أو عضو من أعضائه ما لم يتهم الوالد في ذلك أو أن يخالفه في سفر يشق على الوالد وليس بفرض على الولد أو في غيبة طويلة فيما ليس بعلم نافع ولا كسب فيه أو فيه وقيعة في العرض لها وقع . وبيان هذا الضابط أن قولنا : أن يؤذي الولد أحد والديه بما لو فعله مع غير والديه كان محرما فمثاله لو شتم غير